كامل مصطفى الشيبي

27

شرح ديوان الحلاج

الهند زاد الحلّاج نضجا وعمقا واعتاد المجاهدات الشاقة وتعلّم التحكم في نفسه وكوّن مذهبا وأسلوبا عزم على أن ينشرهما بين الناس لدى عودته إلى موطنه . ويبدو أن الحلّاج عاد من الهند مقتنعا بأن ما غرسته فيه رحلته هذه ينبغي أن يعرض على اللّه في مكة وأن يخلع فيها عنه التراكمات غير الإسلامية التي علقت بنفسه وعقله ، ومن هنا قطع عهدا على نفسه أمام اللّه ببذل حياته في سبيله حيث قال : « تهدي الأضاحي وأهدي مهجتي ودمي » « 1 » أو هذا ما يراه على الأقل ! وعند عودته إلى بغداد أخيرا في نحو سنة 291 ه / 903 - 4 م لاحظ أحمد بن الحلّاج أن أباه قد تغيّر « 2 » . وبهذا يبدو أن هذه الرحلة كانت فاصلة في حياته وأنه توصل خلالها إلى الفكرة التي ينبغي أن يؤمن بها والمنهج الذي ينبغي أن يتبع لتحقيقها . وهكذا بدأ الحلّاج يدعو الناس سرا إلى مذهبه الجديد الذي يقوم على تغليب جانب الروح على الجسد برياضة النفس بأشد ما تكون الرياضات ، بهدف شحنها بالروح الإلهية وتمكينها من تقبّل الطاقة الربانية التي يعجز البشر العادي أن يتحمل إشعاعها في نفسه ليكون في وسعه في النهاية أن يتعلم من اللّه ويصدر عنه على الصورة التي ظهرت في آدم لما علّمه تعالى الأسماء كلها ، وفي المسيح لما مكنه من إحياء الموتى ، وفي محمد ( ص ) لما أظهر على لسانه القرآن معجزته الكبرى . وكان من رأي الحلّاج في هذه الفترة أن صاحب الدعوة ينبغي أن يمضي في

--> - لأتعلم السحر وأدعو الخلق إلى اللّه » ( المنتظم 6 / 161 ) . ويبدو أن هذا الخبر هو الذي حمل ابن تيمية أن يقرر أن للحلّاج كتابا مشهورا في السحر ( انظر : رسالة في الجواب عن سؤال عن الحلّاج : هل كان صديقا أم زنديقا ؟ ) لابن تيمية ضمن كتاب : جامع الرسائل ، المجموعة الأولى تحقيق الدكتور محمد رشاد سالم ، مصر 1389 ه / 1969 م ، ص 188 . ( 1 ) انظر الديوان في قافية الميم ، وراجع المنحنى الشخصي من كتاب شخصيات قلقة في الإسلام ص 69 . ( 2 ) تاريخ بغداد 8 / 113 .